ابن هشام الأنصاري
17
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب
فصل قد تخرج الهمزة عن الاستفهام الحقيقي ، فترد لثمانية معان : أحدها : التّسوية ، وربما توهم أن المراد بها الهمزة الواقعة بعد كلمة « سواء » بخصوصها ، وليس كذلك ، بل كما تقع بعدها تقع بعد « ما أبالي » و « ما أدرى » و « ليت شعري » ونحوهن ، والضابط : أنّها الهمزة الداخلة على جملة يصحّ حلول المصدر محلها ، نحو ( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) ونحو « ما أبالي أقمت أم قعدت » ألا ترى أنه يصح سواء عليهم الاستغفار وعدمه وما أبالي بقيامك وعدمه . والثاني : الإنكار الإبطالى ، وهذه تقتضى أن ما بعدها غير واقع ، وأن مدّعيه كاذب ، نحو ( أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً ) ( فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ) ( أَ فَسِحْرٌ هذا ) ( أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ ) ( أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ) ( أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ) ومن جهة إفادة هذه الهمزة نفى ما بعدها لزم ثبوته إن كان منفيا ؛ لأن نفى النفي إثبات ، ومنه ( أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ) أي اللّه كاف عبده ، ولهذا عطف ( وَضَعْنا ) على ( أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) لما كان معناه شرحنا ، ومثله ( أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) ( أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ) ولهذا أيضا كان قول جرير في عبد الملك : 11 - ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح مدحا ، بل قيل : إنه أمدح بيت قالت العرب ، ولو كان على الاستفهام الحقيقي لم يكن مدحا البتة . والثالث : الإنكار التوبيخى ؛ فيقتضى أن ما بعدها واقع ، وأن فاعله ملوم ،